الشنقيطي
333
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وَلِيًّا ( 5 ) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [ مريم : 5 - 6 ] ، الآية . واللّه سبحانه وتعالى حي باق يرث ولا يورث كما قال تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [ الرحمن : 26 - 27 ] الآية . وقوله : وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ آل عمران : 180 ] . فإذا كان للّه سبحانه وتعالى كل ما في السماوات والأرض في قنوت وامتثال طوعا أو كرها ، كما قال تعالى : وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [ مريم : 92 - 93 ] . فهو سبحانه وتعالى ليس في حاجة إلى الولد لغناه عنه . ثم بين سبحانه قدرته على الإيجاد والإبداع في قوله تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ البقرة : 117 ] . وهذا واضح في نفي الولد عنه سبحانه وتعالى . وقد تمدح سبحانه في قوله : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً [ الإسراء : 111 ] . أما أنه لم يولد ، فلم يدع أحد عليه ذلك ، لأنه ممتنع عقلا ، بدليل الممانعة المعروف وهو كالآتي : لو توقف وجوده سبحانه على أن يولد لكان في وجوده محتاجا إلى من يوجده ، ثم يكون من يلده في حاجة إلى والد ، وهكذا يأتي الدور والتسلسل وهذا باطل . وكذلك فإن الحاجة إلى الولد بنفيها معنى الصمدية المتقدم ذكره ، ولو كان له والد لكان الوالد أسبق وأحق ، تعالى اللّه عن ذلك . وقد يقال : من جانب الممانعة العقلية لو افترض على حد قوله : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ [ الزخرف : 81 ] . فنقول على هذا الافتراض : لو كان له ولد فما مبدأ وجود هذا الولد وما مصيره ؟ فإن كان حادثا فمتى حدوثه ؟ وإن كان قديما تعدد القدم ، وهذا ممنوع . ثم إن كان باقيا تعدد البقاء ، وإن كان منتهيا فمتى انتهاؤه ؟ وإذا كان مآله إلى الانتهاء فما الحاجة إلى إيجاده مع عدم الحاجة إليه ، فانتفى